حبيب الله الهاشمي الخوئي
12
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
فلمّا سمعوا ذلك من جبرئيل أقبلوا علىّ بالسّلام ، وبشّروني وأكرموني بالخير لي ولامّتي . قال الشّارح : إنّه جاء في الخبر أنّ حول العرش سبعين ألف صفّ قيام قد وضعوا أيديهم على عواتقهم رافعين أصواتهم بالتّهليل والتكبير ، ومن ورائهم مأئة ألف صفّ قد وضعوا الايمان على الشّمائل ما منهم أحد إلَّا وهو يسبّح إلى غير ذلك ، ممّا يقف عليه المتتبّع ، فانّ نصّ الرّواية الأولى أنّ سجود الملائكة إنّما هو بوضع الجبهة ، والمستفاد من تخصيص السّاجدين بالسّماء الدّنيا والرّاكعين بالثّانية ، والقائمين بالثّالثة ، في الرّواية الثّانية أنّ المراد من كلّ من الألفاظ المذكورة معانيها المتعارفة ، إذ لو أريد المعنى الذي ذكره الشّارح لزم أن يكون السّاجدون الذين هم أكمل خشوعا ، أدنى درجة وأسفل مكانا من الرّاكعين الذين هم أدنى خشوعا منهم ، وهكذا وهو كما ترى . ومنه يظهر أيضا فساد ما ذكره الشّارح في شرحه من جعل السّاجدين عبارة عن المقرّبين ، والراكعين عبارة عن حملة العرش ، والصّافين عبارة عن الحافّين حول العرش ، بملاحظة أنّ زيادة الخشوع يوجب ارتفاع الدّرجة ، والسّاجد أعلى خشية من الرّاكع فيكون أعلى درجة منه ، والرّاكع أكمل خشوعا من الصّافين فيكون أعلى مقاما منهم . وجه ظهور الفساد أنّ ما ذكره من قبيل الاستدلال بالعقل ، ولا عبرة به في مقابل النصّ الدّال على الخلاف ، وأمّا الرّواية الثّالثة فقد استفيد منها أنّ تسبيح الملائكة إنّما هو برفع الأصوات وتكلَّمهم بحركة اللَّسان ، حيث إنّهم ردّوا السّلام أوّلا على النّبي بالايماء ، ثم تعرض عليهم جبرئيل بالتكلَّم فسلَّموا عليه صلَّى اللَّه عليه وآله وبشروه ، وأمّا الرّواية الرّابعة فقد دلت على أنّ صفّ الملائكة إنّما هو بالقيام ، كما دلَّت على تسبيحهم برفع الأصوات هذا . وممّا ذكرناه عرفت أيضا ما في تخصيص الجوارح والآلات ببعض الحيوات ،